المراقبة وشهود المعية الإلهية ومقام الإحسان الأسمى
ذروة سنام العبودية وتاج مقامات السالكين، "أن تعبد الله كأنك تراه"
المراقبة هي دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه في كل لحظة ونَفَس. وهي الثمرة العظمى لمعرفة أسماء الله: الرقيب، الشهيد، العليم، السميع، البصير، وتثمر أعلى درجات الحياء والأدب مع الله.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا﴾ [الأحزاب: 52]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: 61]، وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19].
[الأحزاب: 52، يونس: 61، وغافر: 19]
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حديث جبريل المشهور، قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» [رواه مسلم]، وعن أبي ذر: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» [رواه الترمذي وحسنه].
[تخريجه: صحيح مسلم (8)، وحسن: جامع الترمذي (1987)]
🖋️ البيان التحليلي والتأصيل السلوكي للمقام
يمثل مقام الإحسان الرتبة الثالثة الكبرى من مراتب الدين بعد الإسلام والإيمان، وهو الغاية التي شمر إليها السالكون. ومقام الإحسان يقوم على درجتين: الدرجة الأولى: مقام المشاهدة، وهي "أن تعبد الله كأنك تراه"؛ وهو أن يمتلئ قلب العبد بمعرفة الله ونوره حتى يصير الغيب عنده كالعيان، فيستحضر عظمة ربه وجلاله كأنه يشاهده رأي عين في صلاته ومناجاته. الدرجة الثانية: مقام المراقبة، وهي "فإن لم تكن تراه فإنه يراك"؛ وهو أن يستحضر العبد إحاطة علم الله به ونظره إلى سره وعلانيته وحركاته وسكناته وخفايا فؤاده. والمراقبة تصون الخلوات، وتطهر النوايا، وتمنع من انتهاك المحارم في السر، وتورث القلب مهابة ووقاراً وسكينة لا نظير لها.
ألا يجرؤ على معصية الله في خلوته كما لا يجرؤ عليها أمام الناس لعلمه بنظر الله إليه.
خشوع الجوارح وسكون الفكر واستشعار أنه واقف بين يدي ملك الملوك يناجيه مباشرة.
المسارعة إلى دفع الخواطر الرديئة والوساوس السيئة حياءً من أن يراها الله في قلبه.
الوقف لثوانٍ قبل تكبيرة الإحرام أو الذكر مستحضراً: "الله ناظري، الله شاهدي، الله مطلع علي".
استشعار مراقبة الله عند استخدام الهواتف والشاشات في الغرف المغلقة وحجب كل ما يغضبه.
تفقد القلب دورياً من شوائب العجب والغفلة والرياء والمكر.
العلاج: تدبر حديث: «لأعلمن أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة يجعلها الله هباءً منثوراً، إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها».
العلاج: كثرة الاستعاذة من الشيطان والدوام على ذكر الله باللسان والقلب مجتمعين.
💬 درر وأقوال أئمة السلوك والتزكية
"قال رجل لابن المبارك: أوصني، قال: راقب الله تعالى، فسأله عن تفسيرها، فقال: كن أبداً كأنك ترى الله عز وجل."
"المراقبة هي التعبد بأسماء الله: الرقيب، الشهيد، العليم، السميع، البصير؛ فمن عقل هذه الأسماء وتعبد بمقتضاها حصلت له المراقبة."